ابن أبي الحديد
198
شرح نهج البلاغة
أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل ، فإن الله عز وجل يقول : " من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد " ( 1 ) وأنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف . وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك ، فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور ، ولا لجأوا إذ فارقونا إلى عدل ، ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها ، وليسألن يوم القيامة : أللدنيا أرادوا أم لله عملوا ؟ وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال ، فإنه لا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفئ أكثر من حقه ، وقد قال الله سبحانه وتعالى وقوله الحق : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " ( 2 ) وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وحده ، فكثره بعد القلة ، وأعز فئته بعد الذلة ، وإن يرد الله أن يولينا هذا الامر يذلل لنا صعبه ، ويسهل لنا حزنه ، وأنا قابل من رأيك ما كان لله عز وجل رضا ، وأنت من آمن الناس عندي ، وأنصحهم لي ، وأوثقهم في نفسي إن شاء الله . * * * وذكر الشعبي ، قال : دخلت الرحبة بالكوفة - وأنا غلام - في غلمان ، فإذا أنا بعلي عليه السلام قائما على صبرتين ( 3 ) من ذهب وفضة ، ومعه مخفقة ، وهو يطرد الناس بمخفقته ثم يرجع إلى المال فيقسمه بين الناس ، حتى لم يبق منه شئ ، ثم انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلا ولا كثيرا . فرجعت إلى أبي ، فقلت له : لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس . قال : من هو يا بني ، قلت : علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، رأيته يصنع كذا ، فقصصت عليه ، فبكى ، وقال : يا بني بل رأيت خير الناس . * * *
--> ( 1 ) سورة فصلت 46 . ( 2 ) سورة البقرة 249 . ( 3 ) الصبرة ، بالضم : ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن .